المرأة و المجتمع حقوق المرأة

تعدد الزوجات بين النص القانوني و نظرة الإسلام

admin
كتب بواسطة admin

I. موقف الشريعة الإسلامية من نظام تعدد الزوجات بصفة عامة:

نظام تعدد الزوجات ليس مسألة جديدة جاءت بها الشريعة الإسلامية، بل  من الثابت تاريخيا أن كثيرا من الأديان السابقة للإسلام قد أقرته، فقد جمع نبي الله سليمان في عصمته أكثر من تسعمائة امرأة، وكانت المجتمعات القبلية في الجزيرة العربية قبل الإسلام تعرف نظام تعدد الزوجات كغيرها من المجتمعات الأخرى .

فالإسلام لم ينشئ نظام تعدد الزوجات، ولم يدع إليه، وإنما وجده فأبقاه وزاد فنظمه[1]، وحدد عدد الزوجات المسموح بهن شرعا، وجعل للتعدد حدا أعلى لا يمكن تجاوزه وهو أربع زوجات .

والدليل على حل الجمع بين الأربع زوجات في الشريعة الإسلامية، وتحريم  ما زاد على ذلك قوله تعالى :

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا[2]

، فقد أفادت الآية  الكريمة  إباحة  التزوج بأربع زوجات، وتحريم ما زاد على ذلك  كما يشير إلى ذلك سبب نزول هذه الآية، حيث  نزلت في شأن  الأولياء الذين وقعوا في حرج شديد في الولاية  على اليتامى مخافة  الوقوع في ظلمهم وأكل أموالهم بالباطل مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل بين الزوجات، اذ كان الواحد منهم يجمع في عصمته ما شاء من النساء ولا يعدل بينهن لذلك خاطبهم الله سبحانه وتعالى  بقوله :

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى

أي إذا خفتم من ظلم اليتامى فخافوا أيضا من الوقوع في ظلم النساء وقللوا عدد الزوجات إلى حد أربع منهن فقط وإذا خفتم الظلم والجور في الزيادة  فاقتصروا على واحـــدة.

وهناك أحاديث نبوية  كثيرة  تشهد كلها بأن عدد النساء اللاتي يمكن للزوج أن يجمعهن في عصمته أربع نساء، منها ما روي عن قيس بن الحارث الأسدي قال :أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ”  اختر منهن أربعا[3].

وروى الترمذي عن بن عمر أن غيلان ابن سلمة  الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية  فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير منهن أربعا ويفارق الباقي[4].

وهكذا فإن موقف الشريعة الإسلامية من تعدد الزوجات موقف وسط بالنظر إلى بعض الشرائع الأخرى، إذ منها من أباح التعدد على مصراعيه من غير قيد أو شرط، ومنها من منع التعدد مطلقا، وكانت الشريعة الإسلامية بين ذلك قواما[5].

وقد قيد الله سبحانه وتعالى  إباحة  تعدد الزوجات بقيدين أساسيين وهما : العدل بين الزوجات، والقدرة على الإنفاق .

أ – العدل بين الزوجات :

أفاد ذلك قوله تعالى : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا فالله سبحانه وتعالى  أمر بالاقتصار على زوجة واحدة إذا علم الإنسان من نفسه عدم العدل أو خاف الوقوع في الظلم .

والمقصود بالعدل الذي جعله الشارع الحكيم شرطا في إباحة التعدد هو العدل الذي يستطيعه الإنسان ويقدر عليه،  كالعدل في الإنفاق والمبيت وحسن المعاشرة…الخ، فهذه أمور تدخل في قدرة الإنسان.

أما العدل الذي لا يستطيعه الإنسان ولا يقدر عليه وهو الميل القلبي فإنه لا يدخل في نطاق العدل المطلوب شرعا،  لأن مثل هذه الأمور وجدانية  عاطفية تخرج عن نطاق الضبط والتحكم فيه لذلك فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[7] ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ[8]،

  كما روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت :  كان  رسول الله صلى  الله عليه وسلم :

«يقسم فيعدل ويقول: اللهم هذا  قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك».

ب – القدرة على الإنفاق :

أما القدرة على الإنفاق فهو  شرط في الزواج بصفة عامة  فمن كانت عنده زوجة  واحدة ولا قدرة  له بالإنفاق على زوجة أخرى حرم عليه التزوج بالثانية  وهو شرط استنبطه الفقهاء من قوله تعالى : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ .

وقد فهم  هذا الشرط من قوله تعالى : ﴿ أَلَّا تَعُولُوا فقد فسر  الإمام الشافعي رحمه الله كلمة  ﴿ أَلَّا تَعُولُوا بألا تكثر عيالكم، وتطبيقا لذلك فان إباحة التعدد مقيدة بألا يكون  في التعدد مظنة الإكثار من العيال[9] ، من غير  أن يكون عنده من أسباب الرزق ما يستطيع معه الإنفاق عليهم وسد حاجاتهم والقيام بواجبهم[10].

وأيضا فإن القدرة على الإنفاق نصت عليه السنة صراحة وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: « يا معشر الشباب من استطاع الباءة منكم فليتزوج »، والمقصود بالباءة القدرة على القيام بأعباء الزواج.

II. تعدد الزوجات في مدونة الأحوال الشخصية:

كان الفصل 30 من مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957 يقيد التعدد بشرط العدل بين الزوجات، إذ لا يجوز للراغب في التعدد التزوج بامرأة أخرى إذا كان هناك خوف من عدم تحقيق العدل، كما لا يجوز له العقد على الثانية إلا بعد إحاطتها علما بأنه متزوج بأخرى وأنها لازالت في عصمته، وللزوجة الحق في أن تشترط في عقد الزواج بأن لا يتزوج عليها زوجها وأنه إذا لم يف بهذا الالتزام يبقى لها الحق في طلب فسخ العقد.

ولم يرتب المشرع أي جزاء أو أي أثر نتيجة مخالفة هذه المقتضيات، وكان ذلك محل انتقاد شديد من قبل بعض الفقه المغربي والعديد من المهتمين بقضايا الأسرة بالمغرب.

وتدخل المشرع المغربي بموجب ظهير 10 شتنبر 1993 لوضع بعض القيود على التعدد حيث نص الفصل 30 المعدل على أنه: “يجب إشعار الزوجة الأولى برغبة الزوج في التزوج عليها والثانية بأنه متزوج بغيرها.

  • للزوجة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها وإذا تزوج فأمرها بيدها.
  • للمتزوج عليها إذا لم تكن اشترطت الخيار أن ترفع أمرها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها.

في جميع  الحالات  إذا خيف عدم العدل بين  الزوجات  لا يأذن القاضي بالتعدد”.

      ونلاحظ بأن الفصل 30 المعدل هو في الحقيقة دمج لمقتضيات الفصل 30 و 31 من مدونة 1957 مع إحداث بعض التغيير في ترتيب الفقرات والصياغة، أما الجديد في الموضوع فيبدو من خلال الشروط المطلوبة للتعدد وهي :

1 – يجب على الزوج الذي يرغب في التعدد أن يخبر الزوجة الأولى برغبته في الزواج بثانية.

2 – يتعين عليه أيضا أن يخبر تلك التي يريد الارتباط بها بمقتضى عقد الزواج بأنه متزوج بامرأة أخرى.

ومن البديهي أن يكون هذا الإخبار سواء بالنسبة للزوجة الأولى أو الثانية قبل الإقدام على إبرام العقد.

3 – ضرورة الحصول على إذن القاضي بالتعدد، ولم يكن النص السابق قبل التعديل يشترط الحصول على إذن القاضي إذ كانت الفقرة الأولى من ذات الفصل تنص على أنه إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لم يجز التعدد…، واعتبر بعض الفقه المغربي هذه الفقرة مجردة  من عنصر الإلزام القانوني مادام الشخص الراغب في اتخاذ زوجة أخرى هو الذي سوف يقرر لنفسه ما إذا كان  قادرا على تحقيق العدل بين زوجاته أم لا، ومن ثم طالب بإخضاع التعدد لمراقبة  القضاء

، بل هناك من طالب بمنع تعدد الزوجات مطلقا

، لانتفاء  شرط العدل واستحالة  تحققه مصداقا للآية الكريمة ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ

، خاصة  وأن في تطبيق تعدد الزوجات إهدارا لكرامة المرأة وعبثا بحقوق الأسرة، وما يترتب عن ذلك من مشاكل اجتماعية تكون المرأة والأطفال أول ضحاياها، مما يتوجب معه منع التعدد سدا للذريعة ودرءا للمفسدة المقدم على جلب المصلحة.

وهكذا أصبح التعدد في ظل النصوص المعدلة في سنة 1993 مرتبطا بنسخة  من إذن القاضي، وهو ما تشير إليه أيضا الفقرة الخامسة  من الفصل 41 المعدل الذي يتحدث عن المستندات اللازمة والتي يتعين الإدلاء بها  أمام الشاهدين العدلين.

ويبدو بأن  إضافة  إذن القاضي بالتعدد ومنحه للزوج على أساس قدرته على إقامة  العدل وحرمان آخر منه على أساس عدم قدرته على ذلك مسألة في غاية الصعوبة، فأي معيار  سيعتمد عليه القاضي لهذا المنح أو الرفض، وكيف يستطيع القاضي الجزم بأن هذا قادر وذاك غير قادر ؟؟.

هذا وتنص الفقرة الثانية من الفصل 30 المعدل على أن: ” للزوجة أن تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها وإذا تزوج فأمرها بيدها “، فمن أجل تفادي التعدد في المستقبل منح المشرع المغربي في النص القديم والجديد بمقتضى تعديل 1993  الحق للزوجة في أن تشترط في عقد الزواج بأن لا يتزوج عليها زوجها وإذا لم يف هذا الأخير بما التزم به أعطى المشرع للزوجة حق الخيار  بين البقاء معه رغم مخالفة  الشرط أو التحلل من الرابطة الزوجية فالأمر يصبح بيدها علما بأن النص القديم كان يمنح لها حق طلب  فسخ النكاح، أما إذا لم تكن قد اشترطت الخيار فيمكنها أن ترفع أمرها إلى القاضي  لينظر في الضرر الحاصل لها بسبب الزواج بثانية، وهذا ما تشير إليه الفقرة الثالثة من الفصل 30 من المدونة القديمة، والواقع أن طلب التطليق للضرر حق تتمتع به الزوجة  في جميع الأحوال طبقا للفصل 56 من المدونة الملغاة.

2 ـ موقف مدونة الأسرة من التعدد

موضوع  “موقف مدونة الأسرة من التعدد” من هذا الرابط

اترك تعليقا