الحياة الزوجية المرأة و المجتمع حديث النساء خواطر

هروب من التجريح إلى الجحيم

كتب بواسطة Hassani darkaoui

تزوجت لأنها اقتنعت وأحبت.. لم تكترث للأحلام الجامعية المحلقة في الأفق التي تركتها خلفها دون رجعة أو ندم.. لم تتخيل ولو في أسوأ كوابيسها أن ذلك الحمل الوديع الذي أسرها وخطفها من أحلامها سيتحول إلى وحش مفترس يفترس روحها بكلامه الجارح والقاتل ويدمي جسدها بكدمات تغيب في بعضها عن الوعي وتعجزعن الاستيعاب..

حاولت تفادي نوبات غضبه دون جدوى، جعلها المسؤولة عن فشله وخيباته المادية وانهزاميته التي غابت عن فراستها بسبب عمى الحب والاقتناع .. اعتقدت أن مجيء طفلتيها سيلقي بالانفراج أخيرا على سلوكه الشاذ والمنفر وينزع به ليكون شخصا سويا ومسؤولا، لكن الوضع ازداد سوءا وتفاقمت حدة التجريح والعنف وغدت تتعرض لسوء المعاملة أمام عيون طفلتيها الجزعتين..

ذبل وجهها وشحب شبابها أمام صدمتها في الشريك الذي اختارته وعارضت أهلها وتركت كل شيء خلفها من أجله.. لم تجرؤ أن تشكيه لأهلها أوتندب حظها العاثرأمامهم وتعلن فشلها في الاختيار،حتى استفحل الوضع وأصبح العنف لغته اليومية الصارخة والضاربة لتنهارمقاومة جسدها النحيل وتفرغ روحها من أي رغبة في الاستمرار والبقاء، فاستسلمت أخيرا وطلبت الطلاق، لكي يوافق دون مشاكل أو خسائر إضافية، ابتزها لتتنازل عن كل حقوقها بمن في ذلك حقها في أمومة وحضانة طفلتيها.. ولأنها أفرغت من كل حس وافقت لتفر بما تبقى منها.. وكما تركت كل شيء خلفها لتركض لهفة ورغبة إليه .. تركت كل شيء -حتى طفلتيها- كي تهرب منه ارتياعا وذعرا..

حتى عائلتها لم تجدها نصيرة لها في هذه النكسة بل طلبت منها البقاء وتحمل الوضع الذي كان اختيارها الحر منذ البداية.

استقر بها المقام أخيرا بمدينة البيضاء في غرفة بالطابق الرابع تضم ثلاثة غرف أخرى لفتيات متفرقات يجمعهن بهو ومرحاض مشتركين.. وجدت عملا بمؤهلاتها الجامعية، صحيح أنه بالكاد يكفيها لكن على الأقل يوفر لها أجرة الغرفة ومستلزمات العيش والملبس.

تستيقظ كل صباح باكر على أغاني إليسا وتتمايل بجسدها الأسمر الممشوق وتردد معها كلمات أغنيتها:” خذ بالك عليا..دي مش معاملة تعاملني بها..وابقى افتكر ليا أيام تعبت عشانك فيها..” وعلى مائدة فطورها فنجان قهوة سوداء وعلبة سجائر.. تمج باستمتاع مؤلم سيجارتها وعيناها مغمضة ورأسها يتمايل بوجع راقص على وقع الكلمات التي تحس بها وكأنها تخاطبها. .تطلق دخان سيجارتها الذي تحاول معه إخراج شوقها الأمومي الجارف لطفلتيها، ومعه تنزل دموع حارقة تبتلعها مع قهوتها المرة التي تصبح مالحة دون سكر.. ولا يخرجها من طقسها الصباحي الوفية له إلا مداهمة وقت المغادرة للعمل، فتلقي الوجع خلفها وترسم ابتسامة مزيفة البريق على ملامحها السمراء وكأنها أسعد النساء.. تغيرت بعد طلاقها.. كانت تحلم بحياة كريمة تحققها بوظيفتها وتكسب احترام نفسها

و طفلتيها وعائلتها.. لكنها صدمت بواقع لا يمنح إلا القليل ويأخذ الكثير، منحها السجائر ومعاقرة الخمر والاشباع المحرم للجسد هروبا من فجيعتها وشوقها القاتل الأمومي، لتعود إلى غرفتها وحيدة تحمل في أعماقها جوعا جارفا لإحساس الاعتزاز والفخر بالذات ومتعة الحلال وارتياح الضمير.. ومع كل انتكاساتها لا زالت تحمل وتحلم بأمنية كإسمها.. أمنية أنها ذات يوم قد تحقق حياة كريمة ومستقرة وتعيد طفلتيها إلى حضنها الجائع إلى الأبد.. نصيحتي لكن يا بنات حواء..أثناء الهروب من وضع يجرحنا نهرب دون هوادة.. دون أن ننتبه أو نفكر في الوجهة التي نهرب إليها.. كل همنا الالتفاف المرعوب للوراء لنرى أن ذلك الذي نفر منه لا يطاردنا، ولنتأكد أننا تركنا مسافة حديث النساءآمان لا يصل فيها إلينا.. الهروب ليس الحل الأنجع في الغالب، بل المواجهة المسلحة بالعقل والحب والحيلة والصبر والمرونة والانحناء أثناء قدوم العاصفة هم اللذين يضمنون البقاء والاستمرار.. فالرجل يحقق النصر الساحق على المرأة عندما يجردها من شراستها

الضارية وهي تقاوم للاحتفاظ بحق أمومتها، وحقها الشرعي والمشروع في إشباع أنوثتها في إطار كريم خارج الإذلال والحرام والخطيئة.

[box type=”info” align=”aligncenter” ]بقلم: حسنية الدرقاوي[/box]

اترك تعليقا

ثم عرض موقع إليك للبيع، للمهتمين المرجو إرسال عرضكم هنا ، شكراًتقديم عرض
+